في الذكرى الاربعين لحرب تشرين المجيدة، تطالعنا أهم الدروس والعبر من هذه الحرب الخالدة، وهي ان الارادة الحرة تصنع الانتصار، وبالفعل حققت مصر وسوريا والامة كلها نصرا عزيزا مؤزرا، حينما قررت فعلا ان تحارب لتحرير الارض، واعادة الكرامة المهدورة للامة كلها، واستطاعت هذه الارادة بعد ان كسرت الاصفاد والاغلال، ان تغير قناعات اعداء الامة، وفي مقدمتهم العدو الصهيوني واميركا والغرب عموما والعالم كله، بان العرب قادرون على صناعة التاريخ، وعلى تحقيق الانتصار، والخروج من ليل الهزيمة. وحرب تشرين تعيد الى الاذهان وحدة الامة، التي تجلت في اجمل صورها من الرباط وحتى مسقط، وكيف استطاعت بهذه الوحدة ان تثبت للعالم كله، بان العرب امة واحدة: بتاريخها ولغتها ودينها وحضارتها وجغرافيتها، بماضيها وحاضرها ومستقبلها، وان تعيد رسم الابتسامة على الشفاه العربية اليابسة، وان تزرع الامل من جديد في الارض العربية بعد ان أصبحت يبابا. وفي هذا السياق نتوقف عند عبقرية الفريق الشاذلي الذي قاد معركة العبور وتحطيم خط بارليف، ومفاجأة العدو في اكثر مواقعه قوة ومنعة؛ ما ادى الى انهيار الجنرال دايان وزير حرب العدو، من هول المفاجأة، وطلبه من رئيسة الوزراء جولدا مائير الموافقة على انسحاب الجيش الإسرائيلي من سيناء. لقد اثبت الفريق الشاذلي أنّ الجندي العربي قادر على ايقاع الهزيمة بالعدو، وقادر على تمريغ اسطورة الجيش الصهيوني في رمال سيناء، واعادة الاعتبار للانسان العربي، وبالفعل فقد تمكن هذا القائد بفعل احترافه العسكري، واصراره على تحقيق الانتصار، ان يثبت بان هزيمة 67، ليست الاّ امرا طارئا في التاريخ العربي، وان الانتصار هو الشيء الثابت والممكن تحقيقه، وهذا ماحققته الامة في حطين وعين جالوت، وفي كافة معاركها على مر التاريخ، حينما ردت حملات الشر والظلام عن ارضها، ليعانقها النور والحرية من جديد. في كتابه “حرب اكتوبر” نقف على الاسرار الهائلة لهذه الحرب، وعلى الاستعدادات الضخمة بكل المقاييس، والحسابات الدقيقة لهذا العسكري، حتى استطاع تحقيق الانتصار في معركة العبور باقل الخسائر، ومفاجأة العدو بشجاعة الجندي المصري، الذي حقق المعجزة وفي وقت قياسي، لتصبح خطة العبور تدرس في المعاهد والكليات العسكرية في العديد من دول العالم. وفي هذا السياق لا بد من الاشارة الى حانب اخر من عبقرية هذا القائد، والتي تؤكد ايمانه المطلق بوحدة الامة، وبوحدة ترابها، واصراره على ارسال كتائب من الجيوش العربية للمشاركة في المعركة، بدلا من الدعم المادي، ليختلط الدم العربي في ساحات المعارك، ويبقى شعلة تنير الطريق للاجيال القادمة. كما وضعنا امام الحقيقة المرة، وهي تدخل السادات في مجريات الحرب، واصراره على تغيير ستراتجية المعركة، ما عرض القوات المصرية الى ضربة مؤلمة، حينما ابتعدت عن حائط الصد الصاروخي، وادى بعد ذلك الى فتح ثغرة الدفرسوار الخطيرة، والدخول في مفاوضات الفصل بين الجيشين، وتحويل حرب التحرير الى حرب تحريك، انتهت باتفاقية الذل والعار “كامب ديفيد”. باختصار.. في ذكرى حرب تشرين المجيدة.. نتذكر بطولات الجيشين المصري والسوري وكافة الجيوش العربية، التي شاركت في المعارك، وانهت اسطورة جيش العدو، واثبتت ان الإرادة الحرة قادرة على تحقيق الانتصار، وان الامة مجتمعة قادرة على حماية اوطانها وتحرير مقدساتها. ما احوجنا الى تشرين جديد، يعيد للامة كرامتها وعنفوانها ووحدتها!
مقالات للكاتب رشيد حسن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق