|
د . إبراهيم الجعفري
زمن الشِدّة
~في زمن الشدة يخرج الانسان من قوالب الترف والاسترخاء ويدخل في رحاب
الانشداد الى الله من موقع الإحساس بالفقر اليه واللجوء لقدرته اللامحدودة
ورأفته الغامرة بعباده.. يفرّ الانسان منه تعالى شاعراً بالتقصير ليلوذ به
مأنوساً بالأمل وموعوداً بالرزق اللامحتسب. في لحظات الزمن الضاغط يجتاحه
التعلّق بمطلق القدرة ومطلق الرحمة ومطلق العلم.. بهذا يكون الحديث بلا
حاجز والتوسل بلا وسيط والاعتماد بلا تردد.. طعمٌ خاص يحسُّه المنقطعون لله
ولغة استثنائية تغمر القلب لتفيض على الجوارح.. ينتقل من دعاء لدعاء وهو
يلحُّ ويلحُّ حتى يُفَكّ القضاء الذي أُبرمَ إبراماً..
كأكثر مرة يشعر فيها بطعم الفقر المُغني والعجز المقوّي والاستسلام الواثق والحمد المتسع لأيِّ مكروه.. هي والله لحظات الحقيقة التي لا تفلت من قبضة القضاء ولا تنأى عن جادّة العدل.. لحظات تعجز فيها كلُّ الاسباب ليكون فيها الانسان هو والمسبب (الله) من دون أسباب إنها لحظات الاضطرار "أمّن يجيب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء".. يرتبط بها الداعي بربه بالتقوى وليس غير؛ لينال ما يعجز عنه كل الماهرين مهما بلغت قدراتهم.. وتتسلسل بموجبها حلقات الوصل المعنوي من الدعاء والصدقة والاتكال والتشبث بالشفعاء والدعاء على ألسنة الاخرين وو.. كلُّها تتحشّد صوب الحضرة الإلهية كأنها على موعدٍ لولادة إنشداد جديد بين الداعي والمدعو واستجابة منقطعة النظير تغمر القلب وتتحدى حواجز المادة.. كلها تخرجه من رتابة التقليد وسطوة الحسّ وخدر الاتكالية وهنا يبدأ المرءُ سابحاً في فضاء القدرة الإلهية اللامحدود.. زمن الشدة ينقضي لكنّ آثاره يمكن أن تبقى اذا ما عزم من تعرّضَ للشدة على الاستفادة منه.. زمن الترف لا ينتج نوعاً انسانياً يملك مقومات الثبات امام التحديات كما لا يقترن بالانتاج وبأي نوع من أنواعه بل يشكل علامة استهلاك دائمي ويكون نذير شؤمٍ لزوال النعمة.. من هنا كان لابد من الانفتاح على زمن الشدة لاكتشاف نقاط الضعف وتجنب المزالق التي يستدرج من خلالها.. غير أنّ زمن الشدة في كثير من الأحيان يكون زمن العروج الى الله والتخلص من نقاط الضعف العالقة في الشخصية فالذين استفادوا من المحن التي مَرُّوا بها, بدأوا اتجاههم بمشوارهم الجديد بعده.. انه زمن وعي الذات بكلِّ ما لها وما عليها واكتشاف اسرارالقوة وأسرار الضعف.. يكتشف أصدقاء الشدة واصدقاء الرخاء.. تراتبية العلاقة في اجواء الرخاء غير التراتبية في زمن الشدة.. ويبقى زمن الشدة يفتح الانسان على أبواب التوجه الى الله تعالى.. وهو المكسب الاكبر والرصيد الأدومُ لو أحسن الانسان استثماره.. الكثير من الذين عطفوا نحو الاستقامة كانت بدايتهم مقرونة بصدمة الابتلاء.. من هنا يكون الابتلاء سرَّ تحوّلٍ لدى الكثير من الناس ما يستدعي المراجعة الجادة والهادفة في جوِّ المِحنة والعزم على التموّل من زادها..
مقالات للكاتب د . إبراهيم الجعفري
- القرار العربي والعمل العربي - بين الأزهرين الأشرفين - مفهوم “التستر والابتزاز” - ثوابت العلاقة ومتغيراتها - فقدان الهوية - صناعة القرار |
الأربعاء، 16 مارس 2016
زمن الشِدّة
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق