الأربعاء، 18 يناير 2017

السعة الأخلاقية


~كلُ مكوِّنٍ من مكوِّنات الشخصية الخمسة (الروح والعقل والنفس والخُلق والجسم) له أثره في بنائها وسعته في التأثير في الاخرين من الناس  غير أنّ سعةَ الجسم محدودةٌ بأبعاده العضوية، أمّا المكوّنات الأخرى فهي قابلةٌ للاتساع ولعلّ عنصرَ الخُلق أكثرها إمكانيّة على ذلك..
عوائد الانسان المالية والعائلية والقَبَليّة محدودة الحجوم ومحددة الأمد وإسقاطاتها في التأثير هي الاخرى قد تكون محدودةً بعكس الثروة الاخلاقية والثروة العلمية والعاطفية، فهي تمتد وتتزايد وقد أشار الحديث الشريف عن رسول الله (ص) "إنكم لا تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم" وهذا ما يمنح الانسان الهادف للخير والمستعد للبذل والعطاء فرصاً للامتداد لأكبر عدد ممكن من الناس..
ليس هذا وحسب بل يضاف الى جانب ذلك الاتساع الزمني حين يخلد صاحب الاخلاق في ضمير الناس حتى بعد وفاته، فقد يمتد بعضهم عبر الاجيال طائراً على أجنحة الخلق والعلم والعاطفة.. والحديث عن الثروة الاخلاقية هو الحديث عن الصفة القابلة للأخذ والاكتساب من جانب، ما يعني انها ليست حكراً على أحد ولا عصيّةً على أيِّ صاحب إرادة، وهي "ذاتية الانبعاث" من الجانب الاخر لأنها تنبع من داخل الانسان، أما أن يتحول الانسان من جاهلٍ الى عالم فهو غير مضمون أو من قصير القامة الى طويلها أو العكس أو من أسمر اللون الى أبيض اللون فمستحيل، بينما التحوّل من متشدد الى متسامح أو من بخيل الى كريم أو من عاجز في الخطاب الى خطيب مفوّه فقابلة للاكتساب كالذي حصل مع "غاندي" و"هلين كيلر" لانها عادة ما تنطلق من داخل الشخصية وتكون خاضعةً لكامل إرادته.. ولمّا كانت مثل هذه الصفات من صناعة الانسان نفسه فسيكون محاسباً عليها، ما يوقعه في حالة من التعاسة حين يفقد القدرة على التكيّف مع صفاته غير المكتسبة والخارجة عن ارادته..
تبقى الحجوم القَبَليّة والحجوم الماديّة والجغرافيّة ثابتةً لا تتغير فيما تكون الحجوم العلمية والأخلاقية متغيرة فقد تتسع وقد تتقلص..
واحدة من روائع العدل الإلهي هي ما شهدته المجتمعاتُ والقبائلُ والعوائلُ بظهور كبار الشخصيات ذات المواهب المتميزة وفي المجالات المختلفة والتي ساهمت باثراء المسيرة الحضارية رغم أن خلفيتها الاجتماعية والأسرية الفقيرة محسورة وليست من ذوات الشهرة اللافتة..
فما عجزت عنه الامكانات المادية والانحدارات الطبقية والشهرة الإعلامية مع ما كرّست له من الجيوش العسكرية وأشعلت بسببه الحروب عجزت عن تحقيقه، وهو ما توافرت عليه الإرادات القوية لشخصياتٍ كانت تملك عزيمة المواصلة وصفاء نفس..

http://beladitoday.com/?iraq=%C7%E1%D3%DA%C9-%C7%E1%C3%CE%E1%C7%DE%ED%C9&aa=news&id22=71247

    

مقالات للكاتب د . إبراهيم الجعفري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق