الثلاثاء، 10 مايو 2016

من دروس التحدي

~عديدة تلك الدروس التي تستوحى من أجواءِ التحدّي أولها التثبُّت من مدى إيمانِ المرءِ بعقيدتِه ورسوخِه بالتمسُّكِ به من دون أن يتزعزع.. كثيراً ما تَكشفُ أجواءُ الفتنِ والابتلاءات عن نقاطِ ضعفٍ في الشخصية وحتى في المجتمع والتي لم تَكُنْ واضحة في أجواءِ الاسترخاء..
أول ما ينبغي مراجعته هو معرفة الحقائقِ المستورةِ في البيئاتِ الاعتياديةِ والتي تختفي فيها العيوبُ ولا تبدو للعيان الا بأجواءِ الشدّة.. تماماً كما تكون بعضُ أمراضِ القلبِ التي لا تظهر علاماتُها في جهدِ الجسمِ العادي الا اذا تعرّضَ الى جهدٍ استثنائيٍّ كتسلّقِ جبلٍ أو الركضِ لمسافاتٍ طويلة.. وهو ما يُعتمد اليوم في الاختبارات الطبيّة بعنوان "اختبار الإجهاد"..
وعيُ الذاتِ يستدعي أن يقفَ أصحاب المواقع على نقاط الخلل في شخصياتِهم وليس لهم إلّا ان يعالجَوا ما يُمكن معالجتُه أو يتخلّوا عن مواقِعِهم لمن هم أكفأ منهم من دون مكابرة..
"الاصطفاف المجموعي" في خطِّ التصدي ينتظمُ في أجواءِ الراحةِ والعملِ الرتيب بما لا يكشف عن نقاط الضعفِ التي تتعارضُ مع المهامِّ التي توكل للكثير من أصحابِ الطموحات.. ومع افتراضِ حسن النيّة بجهلِ أصحابِها بما وقعوا به فإنّ أجواءَ الأزماتِ تكشفُ لمن ينظر ببصيرةٍ عن ضعفِهم.. مثلما تكشفُ نفسُ الاجواءِ عن قدراتٍ كامنةٍ لدى الكثير غيرهم من أصحابِ الكفاءاتِ والتي من شأنِها أن تساهمَ في بناءِ البلدِ في أكثر من مجال وتضعه على مشارفِ الاستقرارِ بل الارتقاء..
قد يكون عددٌ غير قليل ممّن شغلَ مواقعَ حكوميةٍ معيّنةٍ هو نفسه لا يعرف عن عجزِه عن أَداءِ المهمةِ التي كُلّف بها بالشكل المطلوب بل ليس له الحد الأدنى من الإمكانية قبل ان يتصدّى لها.. خصوصاً وأنَّ عُرفاً خاطئاً بل سيّئاً قد استشرى في دوائرِ الدولةِ وساهمت به عواملُ عديدة وهو عُرف "التعيين العشوائي"!!  لكن التمييز, بين الفسادِ الاخلاقي الكاشف عن تعمّدِ المعني بارتكابِ الخطأ والذي قد يكون محفوفاً بقرائن سلوكية مشينة من أمثال تزوير الشهادة أو الالتفاف على سياقات التعيين أو تسخير الأموال.. وبين ضعفٍ قد يكون الشخص المعني به يجهله ابتداءً ولو أن ذلك لا يبرّر له تمسُّكَه بالموقع رغم معرفتِه بضعفِه..
لكنَّ استشراءَ ظاهرةِ التفكير "بالعقل الجمعي" ومحاولة الاتهام لكل المتصدّين على أنهم فاسدون مفارقةٌ لا تزيد بظاهرةِ الفسادِ الا خطورةً.. والعمل على إفشاءِ اليأس من جميعهم من دون استثناء لا يخدم الا أعداءَ العراق!!.. دَرجُ عمومِ الأبرياء مع الفاسدين قد يزيد من تفاقمِ الفساد ويشكّل غطاء يتستّر به الفاسدون أنفسهم وهو "ستار التعميم"..
عمق الوعي الكاشف عن شتى أنواعِ الخللِ سواء في نقصِ الكفاءةِ
أو غيابِ الامانةِ أو عمى البصيرةِ بمعرفةِ عناصرِ التحريكِ بإراداتٍ أجنبيةٍ إقليميةٍ أو دولية؛ ونقص الشجاعةِ في التصدي لها والحدِّ من آثارها وتداعياتها سيدفع بالبلد الى مهاوي الانحدار لا سمح الله !!..
الاصلاحُ ثورةٌ وليس عملاً روتينياً قد يبدأ بالكلمة ويمرُّ بتعبئةِ الجمهور على ضوءِ حقائق ما يجري من دون خلط بينها وبين ما يضرّ بالبلد؛ لينتهي الى "التغيير بالقوة" ويمنع الفاسدين "بالانتفاع اللامشروع" أو "الفاسدين بالتحريض الهدّام" ليحولَ دون تحقيق مآربهم الذاتية..
ثورة الاصلاح بكلمتين وردت على لسان الحسين (ع) الثائر الفذ حين أطلقها "تثبيت معروف وإزالة منكر".. وهما سرّا الثورة وسرّا الاصلاح وهويّة الثائر..

    
مقالات للكاتب د . إبراهيم الجعفري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق