الأربعاء، 31 أغسطس 2016

ثقافة الامتناع

~الثقافة تعبير عن معرفة وسلوك معاً يسعى الانسان أن يتخذ منها زاداً يتغذى به من خلال التعامل مع الاخرين حين يجالسهم ويتفاعل مع أيّ منهم.. ومفردات الكلام ليست الا قنوات للتعبير عمّا يكنّه في نفسه ويسعى للتبادل بِه معهم .. فهو ومن موقع حرصه على الانتفاع من سيرة الاخرين والتزود من ثقافتهم  قد يؤثر الصمت ويعتبره لغةً أبلغ من لغة الكلام..
ما يناسب الكلام بالمبادرة قد يكون غير ما يناسب بالاستجابة أو ما يناسب بالرد حين يُسأل.. ومنه ما لا يناسب الا بعدم الرد كما في أجواء الثرثرة والافتراء والسخرية..  اذ يكون ابلغ الجواب هو عدم الجواب }وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَٱماً{..
كثيراً ما يصادف الانسان شجاراً بالكلام يتطلب الكف عن الاستمرار به بعد أن يفقد مبرره لسبب أو لاَخر واذا كان معذوراً والحالة هذه بسبب عدم القدرة على منع الاخر من التجاوز لكنه غير معذور من الامتناع عن مواصلته والإلحاح عليه بالحديث وبالتالي إثارته أكثر فأكثر..
المبادرة أوالاستجابة بالحديث تعبير عن وعيٍ وإرادة فهو ليس مجرد كلام من أجل الكلام؛ وانما سمي البليغ بليغاً لانه يضع الشيء في محلّه والفارق كبير نوعيّاً بين متحدث هادف ومتحدث فضولي أو ثرثار.. لا ينبغي أن تكون الأحاديث الجارية على الالسن جافة من شدة الجد وخالية من ندى العاطفة أو من نسيم المزاح.. قد يواجه المتحدث أي متحدث إهمالاً أو سخريةً أو افتراءً من الاخرين ما يحاولون استفزازه ودفعه عن جادة الصواب والحق.. وهو والحالة هذه لا ينبغي أن يعبأ بالطرف المستفز وليس له الا أن يكتفي بعدم الرد وفي ذلك إيقاف لنزف العاطفة وهدر الوقت والجهد من غير طائل.. على أن أدب الحديث مما يدرج عليه الانسان في أجواء الأسرة منذ نعومة أظفاره وهو ما يحمّل الأبوين معاً مسؤولية التعاطي البنّاء وتنقية الكلام من شوائب الفساد أيّاً كان نوعه وفتح آفاق الثقافة البنّاءة التي تساهم في البناء والتنمية..
ستبقى "لغة الامتناع" مطلوبة مع تقدم العمر مهما طال الى جانب "لغة المبادرة" أو"لغة الاستجابة" وهي ما تجعل المتحدث مالكاً لزمام المبادرة في الاختيار من دون أن يكون محكوماً بأهواء الاخر وعواطفه.. الشعور بروح المسؤولية بالتعاطي الثقافي يملي على المثقف أن يحدد وبحكمة أيّاً من الخيارات الثلاثة "السكوت" ام "المبادرة" أم "الاستجابة"..

    

مقالات للكاتب د . إبراهيم الجعفري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق