الأحد، 7 يوليو 2013

المثقف هو الذي يحمل المعرفة المنهجية بديلا عن الإيديولوجيا موصوفاً بالاتساع والعمق في المعرفة

لم تحظ رواية عراقية باهتمام عربي مثلما حظيت رواية بابا سارتر لعلي بدر، فقد قرأت على نطاق واسع في العالم العربي وكتب عنها باحتفاء، وفضلا عن رشاقة واحترافية كتابتها تعد نقلة وتحولا في السرد العربي برمته، فهي رواية لا تحيل –لا في لغتها ولا في أسلوبها أو حبكتها أو موضوعها- إلى أية رواية عربية أو عالمية، ولم يهرول الروائي كما هو واضح من روايته، كما يفعل الروائيون الشباب هذه الأيام، وراء ماركيز، أو فوكنر أو جويس، إنما هي رواية لا تشبه إلا نفسها، وفي الوقت الذي جاهد الروائيون العرب على كتابة روايات مملة لأن الإملال والضجر من مزايا الرواية الحديثة، كتب علي بدر رواية مشوقة من أول صفحة إلى آخر صفحة، ومع ذلك هي رواية حداثية بامتياز، كما إنها تكشف مشاهد رائعة عن الحياة الاجتماعية والثقافية البغدادية والتي كانت غائبة عنا نحن –عرب الجوار- والذين لم نر بغداد إلى اليوم!

لم أحب مدينة في حياتي كما أحببت بغداد في رواية بابا سارتر.." قالت لي روائية سورية في دمشق، وقال لي صحفي تونسي كتب عن علي بدر بمناسبة فوز رواية بابا سارتر بجائزة أبو القاسم الشابي في تونس بأنه يتشوق لزيارة بغداد بعد أن قرأ رواية بابا سارتر، العراقيون وحدهم ينقسمون في آرائهم على علي بدر، بعضهم من جعله مفخرة ثقافية ينبغي دعمها وإسنادها، وبعضهم ادعى إنه شخصية مشبوهة تريد هدم الثقافة العراقية والمجتمع العراقي، بين هذا وذاك التقيت علي بدر في دمشق..في مقهى الهافانا كان يجلس هناك ويشرب القهوة..هيئته تشي بأنه من الجيل الأخير للمثقفين العرب الشباب، يذكر مظهره وحماسه بالفوضويين الروس في القرن التاسع عشر، نظارة دائرية، وملابس حديثة، ونظرات ثاقبة وصوت هادئ، وقدرة على التحدث بصورة عميقة وطليقة.

علي بدر الذي عاش حروب العراق جميعها جنديا في جبهات القتال، وعاش مأساة الحصار في بغداد، يحمل ثقافة تاريخية وسياسية واجتماعية وفلسفية غزيرة، برز في التسعينيات في بغداد عبر كتاباته عن جاك دريدا وجولي كريستيفا وتودروف وجومسكي، وتميز بمعرفته للسانيات عبر سوسير ولوسيان تونير، ومعرفته بعلم الاجتماع عبر بورديو، وهذا الأمر واضح جدا في رواية بابا سارتر.


-علي بدر ..من هو الروائي ؟ السؤال الأول الذي سألناه، فأجاب:


*الروائي هو المثقف الناقد، والمفكر السارد، والبارع الساخر..


-بماذا يؤمن الروائي علي بدر؟


أنا أؤمن بالمعرفة المنهجية المنظمة كبديل حقيقي للإيديولوجيا، وأؤمن بالمثقف المستقل الذي يمارس نقدا لا هوادة فيه لكل الأسس والمعايير، ويقوم بتفكيك المراكز برمتها دون أن يستثني مركزا، وأنا لا أعتقد بوجود شيء على الأرض منفلت من النقد العقلاني الجذري.


علي بدر أنت تؤمن بالنقد العقلاني الجذري، ولكن هناك الكثيرون الذين يعتقدون إنك لا تمارس نقدا..أنت تسخر..وتضحك..وتهول ..وتبالغ ..وتشهر..أليس كذلك؟


لا..لا..هذا خلط وتشويه كبير..تشويه يعبر بشكل كاسح عن بؤس الأفكار وقحطها..فالرواية الساخرة هي بطبيعتها رواية نقدية، إذن هي تعتمد في الغالب على النقد الاجتماعي والسياسي..إنها نوع من رد الفعل الدفاعي ضد ما يطلق عليه برصانة السلطة، أيا كانت هذه السلطة، سلطة اجتماعية أو ثقافية أو سياسية، فيقوم الضحك على تفكيك هذه الرصانة التي تحيط بممارسات السلطة والتي يمتد مجالها إلى تكميم وقمع التعبير الفردي، فلو أخذنا الخطاب المكتوب نجده يشكل النظير المقابل للشفاهي، ومن هنا تحتل الرواية الساخرة الطليعة المتقدمة من المكتوب مثلما تحتل النكتة السياسية الطليعة المتقدمة من الشفاهي...وهكذا نجد أن مراقي السرد الهزلي والضحك والسخرية والتهكم والعبث والخلط والاستهتار هي أدوات الرواية الساخرة، وهذا ما لم يفهمه المنتقدون، لقد وجدت أن هذا الضحك ذاته يكشف عن ما هو مأساوي في الحياة، يكشف عن التراجيديا التي تخلفها الفوضى الاجتماعية والسياسية المعاصرة، وفي الوقت الذي تتشكل فيه ستراتيجيا الرواية الساخرة على مراقي الهزلي، ومراقي ما هو مضحك، فإنها تسند نوعا من الاستنكار الأخلاقي للجد الذي تؤسسه السلطات الاجتماعية والسياسية، إنها محاولة لتأسيس أخلاق جديدة، أخلاق تهدم المعتاد في المقروء والمسموع، ومن أين يفهم المنتقدون النقد أصلا وهم الستالينيون السابقون والطائفيون والجهويون والستينيون والخمسينيون والبعثيون والشيوعيون..


وأنت ألا تحمل صفة من هذه الصفات..؟


مطلقا..المثقف هو المنفلت من كل مركز ..المثقف هو الذي يحمل المعرفة المنهجية بديلا عن الإيديولوجيا، والذي يتصف على الدوام بالاتساع والعمق في المعرفة، والرصانة التاريخية والثقافية، والبعد الأخلاقي والقيمي في الموقف السياسي. ..


- ولكنك أنت أيضا لا تنفلت من توصيفات أخرى أثنية وطائفية ودينية..وهي ما نطلق عليها بالهوية..فأنت عربي ومسلم وشيعي وهكذا..


اسمحي لي بهذا التصحيح..هنا يمكننا أن نتحدث عن مفهوم الهوية..وطالما أنا أربط مفهوم الهوية أيضا بالسرد، أو على نحو أوضح بالفبركة وبالاختراع السردي فيمكنني أن أقول هناك نوعان من الهويات، هوية مكتسبة..قبلية موجودة قبل أن نخلق..نجد أنفسنا في ثقافة ما..ونكون جزءا منها..وها أنا أنتمي إلى ثقافة قومية..ودينية ..وطائفية..ولكن لست بالضرورة ملتزما بها ..أو أن أكون جزءا فاعلا فيها..أحملها كصفات ولكنها ليست جوهرا أسجن نفسي فيه..

وهناك هوية تخترعها المجاميع الإثنية والسياسية وتحاول أن تمنحها اتساقا خياليا وسرديا ما ..عن طريق ما يطلق عليه بالحكايات أو بالتاريخ..وهنا الأمر برمته اختراع..يتحول الاختلاف فيه إلى سعار بالضد من التكوينات أو المجموعات الأخرى التي تتنازع هي الأخرى على الحكاية ذاتها ولكنها تخترعها وتسردها بطريقة ثانية..عمل المثقف هو تكذيب هذه السرديات وهذا ما يطلق عليه فرانسوا ليوتار بتكذيب السرديات الكبرى ..القومية مفهوم سردي..يقوم هذا المفهوم على اختراع التاريخ والنظر إليه بوصفه قطعا متراتبة ومتعاقبة دون النظر إلى فترات الصمت الكبرى والزحزحات التأريخية الهائلة التي تدفع كتلا بشرية من مكان إلى مكان...حيث قام مجموعة من الأدباء باختراع تاريخ لهم، إن الحركة الستينية في العراق هي سردية من هذه السرديات، مثلما تفعل العصب الدينية والطوائف والإثنيات قام مجموعة من الأدباء باختراع تاريخ معين ..وسرده على أنه حقيقة..لأنهم شهدوه، بابا سارتر هي بالضبط تكذيب لهذه السردية المفترضة..بابا سارتر خرجت من مفهوم تكذيب السرديات الكبرى الذي طرحته ما بعد الحداثة لدى جان فرانسوا ليوتار، وتكذيب السرديات التاريخية لدى هايدن وايت..


-اسمح لي بهذه المقاطعة..أنا لا أريد أن أخرج عن روايتك بابا سارتر..أنت روائي..ولكنك تتحدث عن نفسك بوصفك فيلسوفا..أو مرشدا..


لا..لست فيلسوفا ولا مرشدا ..ولكن علينا أن نعترف إن الرواية لم تعد حدوتة مطلقا ولم يعد الروائي ذلك الحكواتي القديم الذي يسرد على مجموعة من المستمعين ..أنا أعتقد بأن الرواية ستحل يوما محل العلوم الإنسانية ..الرواية هي البديل الحقيقي لا الاستعاري عن السوسيولوجيا والتاريخ والنقد الثقافي..المناهج في العلوم الإنسانية وصلت إلى طريق مسدود، البنيوية كفت أن تكون المقاربة الوحيدة وأخلت الطريق مرة أخرى لتسلل الظاهراتية في الهريميونيطيقا والتأويل وقد أوصلتنا هذه التحولات إلى نوع من الفراغ ..أوصلتنا إلى طريق مسدود..من جهتين:

أولا: كشف تحولات المناهج ..أن مفهوم المنهج هو مفهوم تقريبي..بل هو مفهوم وهمي.

ثانيا: إن السرد الذي يقوم على مفهوم الاحتمال أقرب إلى الواقع والحقيقة من المفهوم المناهجي والميثادولوجي القسري.

ولذلك أرى الأمر الآتي أن الرواية أخذت تقترب من العلوم الإنسانية في التحليل والاختبار، بينما أخذت العلوم الإنسانية تقترب من السرد، فلو أخذنا كتاب المدارات الحزينة لكلود ليفي شتراوس نجد أنه أقرب إلى الرواية منه إلى كتاب علمي منهجي وصارم، كتاب التمييز لبورديو تقرأينه مثل قصة..هذا الرأي دافعت عنه منذ كنت في الجامعة..وتثبت الأيام شيئا فشيئا صحته..


-ولكن الرواية تخييل ..وهي بهذا تختلف عن العلوم الاجتماعية التي تستند إلى الوقائع..


لا..أبدا..الرواية تخييل مثلما الواقع تخييل..والرواية واقع مثلما الواقع هو واقع..


-لم أفهم؟


الرواية فن يقوم على التخييل نعم، ولكن السرد الذي يشكل مركزها لم يعد توصيفا لتتابع أحداث مسرودة في الماضي، أبدا، أو هذا التوصيف fiction الذي نطلقه على المسرود، إنما أصبح للسرد معنى أنطولوجي يشمل كل ما يحيط بنا من فعاليات للحكي تروى في نسيج الكلام، إذ يقوم السرد بإعادة نسج العالم المتخيل وتوزيعه داخل الحبكة، وهو أمر يشبه فهم الواقع، لقد أثبتت العلوم الإنسانية إن كل ما يحيط بنا هو سرد في سرد، نحن نروي واقعنا مثل قصة كما يقول بارت، نحن نروي السياسة عبر السرد، ونحكي قصة اختراع في العلم عن طريق السرد، ونفهم الحياة والواقع والمجتمع عبر السرد، الأمة هي سرد كما يقول هومي بابا، فالسرد هنا هو وسيلة هائلة لنسج وإعادة تكييف الإحداث الواقعة والمتخيلة وتوزيعها في ثنايا النص.

وهنالك دراسات كثيرة ومهمة تفسر ماهية السرد الذي يصنعنا في الوقت الذي نصنعه، هذا من جهة، من جهة أخرى تثبت السوسيولوجيا المعاصرة إن المجتمعات لا تحيا على الوقائع حسب إنما على الأوهام أيضا، وهذا ما أردت إثباته في بابا سارتر وفي الروايات اللاحقة بطبيعة الأمر.


- نعم ..هذا واضح في رواية بابا سارتر..وواضح بشكل أكبر في رواية شتاء العائلة..ولكن ماذا عن المرجعيات ..ولا سيما في رواياتك ..فأنت تعتمد على أسماء حقيقية ..وأحداث حقيقية، أنت تعتمد على التوثيق ..وأنا أعتبرك مخادع في هذا الأمر..


لا أرجو أن تكوني منصفة.. الرواية هي تمثيل ثقافي للمرجعيات الواقعية وتعبر بشكل رمزي عن الرؤى والمواقف ولكنها ليست رهينة للتوثيق التقليدي، هي تخضع إلى منظور الروائي للعالم الذي يشكله في النص، ولكنها فضلا عن وظائفها التخييلية والتمثيلية والايحائية فهي أداة بحث، أداة يمكننا من خلالها استكشاف العالم والتاريخ والإنسان. نعم أنا أخلط الوقائع الحقيقية والمتخيلة في نسيج سردي واحد لأني لا أجد فرقا نوعيا بينهما.. فكلا العمليتين هي سرد، فنحن نشكل عبر السرد فهمنا للوقائع التاريخية والدينية والسياسية والثقافية.


-ننتقل إلى موضوع آخر..ما هو جديدك بعد بابا سارتر؟


لدي رواية بعنوان الطريق إلى تل مطران..تتشكل على خلفية تأثير جماعة شعر، أدونيس ويوسف الخال على المثقفين العراقيين، وتتناول موضوعات حساسة مثل ماهية الشعر، والسريالية، والحداثة العربية، موقف المثقفين من السلطة، الحب والجنس، الحياة والموت، الديمقراطية والاستبداد.. وتستبنى الحبكة في مدينة متخيلة تقع شمال العراق اسمها تل مطران يشكل عموم سكانها من السريان والعرب والأكراد..ستصدر هذا العام عن دار رياض الريس..

ولدي مشروع آخر يتكون من تسعة أجزاء منفصلة عن بعضها من الناحية العلائقية ومتصلة من الناحية الثيماتية والتاريخية..وهو كتابة تأريخ الثقافة العراقية سردا، وسوف يصدر الجزء الأول منه (الوليمة العارية) والذي يخص الشروط الاجتماعية والسياسية للمثقفين العراقيين تحت الإستبداد التركي وحتى الاحتلال الإنكليزي عن دار الجمل في كولونيا ..وأنا أعول كثيرا على هذا المشروع لجرأته وكشفه عن العلاقات الثقافية والسوسيولوجية التي شكلت المجتمع العراقي ..وقد اتفقت مع الشاعر خالد المعالي مؤسس دار الجمل وصاحبها على نشر هذا المشروع ..فجرأة خالد المعالي وشجاعته وفكره المستنير تدفعني للكتابة بشكل متحرر، بدلا من الخضوع للإشتراطات اللافنية للناشرين اللبنانيين ..


-هل تخضع مع الناشرين إلى رقابة من نوع ما..إلى حذف..تغيير..مثلا..؟


نعم..أحيانا..


-وهل توافق؟


نعم..أحيانا..بدلا من أن أضع الرواية التي أكتبها في الأدراج..


-ما طبيعة هذه الرقابة..وما هو الحذف؟


يصدف أن يكون الناشر ذا توجه إيديولوجي من نوع معين، سرعان ما يرفض أعمالي لأنها تمس ما يؤمن به..رفض سهيل إدريس نشر رواية بابا سارتر وكتب لي رسالة هجومية ذكر فيها إن رواية بابا سارتر هي هجوم شخصي على سهيل إدريس وعايدة مطرجي إدريس وتشويه لمواقفهما.. أحيانا أخضع إلى تخفيف بعض المشاهد ..جنسية أو شخصية..أو تأريخية..خففت بعض المشاهد وبعض الحوارات في رواية بابا سارتر..ولم تؤثر على الرواية بشكل عام وأنا إلى اليوم مدين لدار رياض الريس، ولرياض الريس شخصيا على رعايته ودعمه غير المحدود لي..

حذفت بعض المشاهد من رواية شتاء العائلة الصادرة في بغداد..ووافقت ..رفض أحد الناشرين نشر الوليمة العارية لأنها في رأيه إساءة للمجتمع العراقي وللشخصية العراقية..ولكن خالد المعالي تقبلها كاملة دون حذف أو تغيير..وهذا ما أسعدني بل هذا سيشجعني على الكتابة بحرية تامة ..بعد أن يعتريني الخوف أحيانا من كتابة بعض الأشياء التي أشعر بأنها ستعرض عملي إلى الإهمال..


-أنا أشكرك على صراحتك وأنت تكشف ضعفك..ولكن ألا ترى معي أن على الكاتب أن يتمسك بقوة بما يكتبه حتى وإن تعرض عمله إلى الإهمال..أو هكذا نفهم الموقف المبدئي للكاتب؟


أريد أن أوافقك الرأي ولكني لا أستطيع..وبالأحرى لا أفعل هذا الأمر..أنا أقبل بالخضوع لآراء الناشر إذا كانت لا تمس جوهر الموضوع..وأقبل بتخفيف بعض المشاهد التي من شأنها أن تعرضني إلى طائلة القانون..أو تعرض العمل إلى المنع..وأنا لا أريد الفضائح لأنها لا تخدم عملي ..فمشروعي ليس شخصيا..وأنا لا أريد أن اكسب امتيازا شخصيا من كتابتي..لقد شاهدت الفظائع الكبرى في مجتمعي ..فظائع السلطة والمجتمع معا..وعلى خلاف الآخرين لا أظن المسؤول عنها هو فرد بإزاحته يتم إزاحة كل شيء، إنما المجتمع والثقافة التي أنتجته، السلطة هي بنية ثقافية اجتماعية صامتة تتكلم من خلال الأفراد، ولذا علينا كمثقفين تعريض هذه البنية إلى نقد صارم وهدام .. وهذا المشروع هو مشروع روائي كما أظن لأن الرواية هي الوسيلة الوحيدة التي تصل جميع الناس وتطال حياة الناس ..إن نقد الأفكار لا أهمية له، لأن ما يسير مجتمعاتنا هي العلاقات الاجتماعية..وهذا ما أريد الكشف عنه..ليست المسألة إذن نقد القومية من حيث هي فكر..أو نقد الوجودية من حيث هي فكر....إنما هذه العلاقات الاجتماعية التي تهيمن على الأفكار، وتجعل من الفكر القومي على روعته حكما عشائريا أو فرديا ..وتجعل من الثقافة عصبة متحيزة على غرار العشيرة..ولكي أنجز هذا المشروع وأقدمه أخضع إلى بعض التنازلات ..لا أقدمها عن طيب خاطر ولكني أجد نفسي مرغما عليها طالما أريد لمشروعي أن يرى النور.


-هل تظن أن الأفكار مبرأة من النقد؟


لا..مطلقا..ولكن لا قيمة لنقدها ..لأنها ليست هي التي تعمل في مجتمعاتنا..إنما العلاقات والقوى الاجتماعية هي التي تعمل..وعلينا أن نعرض هذه البنى الاجتماعية للنقد بدلا من الانصراف عنها والانشغال بنقد الأفكار وهذه الأفكار هي بالضرورة مستبناة على قاعدة يوتوبية.. الأفكار لا تقر الدكتاتورية ولا الاضطهاد ولا التدمير ولا الحروب ولكن من يقرها هي البنى الاجتماعية، هي التشكلات الإثنية التي تصل إلى حد الفوضى، فهي التي تحكم وتقرر..وليست الأفكار..وهذا هو ميدان الرواية..ميدان الرواية هو الكشف عن طريق سرد حياة الناس كيف يتم فهم الأفكار الوافدة طبقا إلى قاعدة الفهم الأساسية التي تشكلت عليها مجتمعاتنا من الناحيتين السوسيولوجية والثقافية.. إن نقد الحداثة من حيث هي فكر، أو نقد القومية من حيث هي فكر، أو نقد الوجودية من حيث هي فكر يجعلني أقهقه..لأننا لم نشهد أي شيء من هذه الأفكار على الصعيد الواقعي..


-ولكن هذا الفهم خطير ..من الممكن أن يعرضك..إلى التصادم مع هذه البنى، وهي بنى قوية وتملك وسائل أقوى من وسائلك؟

أنا أحاول تحاشي الاصطدام المباشر ..ولذلك أقدم بعض التنازلات هنا وهناك ..

-تتحاشى الاصطدام المباشر وتستخدم أسماء صريحة لشخصيات ما زالت حية ترزق..سهيل إدريس وعايدة مطرجي إدريس وفؤاد التكرلي..وأسماء سيدات عراقيات من الوسط الاجتماعي العراقي، وأسماء أشخاص لبنانيين كانوا يعيشون في الستينيات في بيروت عايدة شويري..وسامي الخوري وماريا فنسان..؟ أنت تثير المشاكل ..


لا ..أنا أعرف كيفية استخدام الأسماء الصريحة..أنا استخدمها بطريقة لا تضر بأصحابها..أنا أجعلها الديكور الذي يعطي للأحداث واقعيتها، وهي الخلفية التي تتحرك عليها الشخصيات الوهمية، وبهذا أحقق هدفي..


-ما هو هدفك؟


هدفي هو تعريض العلاقات والبنى والاجتماعية للهدم والتقويض فهي التي تقف عائقا أمام حداثتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية..لقد انتقلنا من الاستبداد المتعدد إلى الحداثة المستبدة ..وأنجزنا حداثة مشوهة..حداثة إلى النصف..بينما كان من الممكن أن ننجز حداثتنا الخاصة بنا وهذا ما طرحه لويس ماسنيون منذ منتصف القرن الماضي، وفي الوقت الذي كان جاك بيرك يعتقد بأن العرب سيندمجون بالنهاية في الحداثة الغربية..وهو طموح ثقافي عربي منذ القرن التاسع عشر.

تسللت وسائل الاستبداد القديم من بطانات الحرس والحكم الفردي والتكونات الإثنية والطائفية وحولت الحداثة إلى استبداد قديم بوسائل أكثر بطشا وعنفا..علينا أن نشخص مواطن الخلل ..ونوصف العوائق التي حرفت هذا المشروع وحولته إلى هراء.

حولته إلى هذه العربدة السياسية والاجتماعية والثقافية التي نعيشها اليوم..نحن مجتمعات بلا نخب ثقافية مجتمعات دون انتلجنسيا بالمعنى الدقيق للكلمة..لنعترف ..وإلا ستتكرر الأخطاء مرة أخرى....


-هل تظن أن الرواية قادرة على نشر هذه الأفكار..؟


الرواية إذا كتبت بأمانة..وقرأت بأمانة..نعم.


- أقصد رواياتك؟


أنا أكتب بأمانة ..وأتمنى قارئا أمينا..


- شكرا على هذا الحوار الممتع..والمفيد..والصريح..


ممتع ومفيد ..ربما ..ولكني لم أكن صريحا بما يكفي..

مقالات للكاتب الروائي علي بدر: الرواية البديل الحقيقي لا الاستعاري عن السوسيولوجيا والتاريخ والنقد الثقافي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق