الأحد، 7 يوليو 2013

اخوان مصر بين تركيا والجزائر

في حركةٍ التفافيةٍ سريعة، تمكن العسكر المصري من استغلال خلافات النخب السياسية الفاشلة، الاسلامية والعلمانية معاً، ليعود إلى السلطة بعد عامٍ واحدٍ من الانقطاع.
عندما أعطى الجيش مهلة 48 ساعة لتنفيذ «مطالب شعب مصر العظيم»، كان يعلم بأن الطرف المعني لن يستجيب، وبالتالي سيحاصره في الزاوية ويخرجه من المشهد السياسي، ليطوي صفحة حكم الاخوان. لكن هل انتهى فعلاً الاخوان؟
الرئيس السوري بشار الأسد، وهو أكثر شخص فرحاً بالإطاحة بنظيره محمد مرسي، أعلن «نهاية الاسلام السياسي»، وهي عبارةٌ قاصرةٌ تذكّرنا بإعلان جورج بوش الانتصار على «الارهاب» عندما غزا العراق. فما حدث بعد ذلك انتشار الإرهاب في أربع قارات (آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية).
لا شك أن الاخوان المسلمين تلقّوا ضربةً قاسيةً جداً بإسقاط حكمهم في مصر، لكنها كحركة ايدلوجية لن تنتهي، وستبقى تقاوم كتيار ديني سياسي. هذا ما يقوله التاريخ بعيداً عن العواطف والنظرات السياسية القاصرة. هناك من يعتقد بأن الاخوان وُضعوا في الحكم لتعريتهم وكشفهم، وهو منحى من التفكير المؤامراتي، لكن التحليل الموضوعي أنهم كانوا القوة الأكثر تنظيماً وتجذّراً في الواقع المصري، واستفادوا من الفراغ السياسي وضعف التيارات الأخرى للوصول إلى السلطة بعد سقوط نظام مبارك.لا شك أن الاخوان ارتكبوا أخطاء فادحة سحبت بسرعة من رصيدهم الشعبي وبزمنٍ قياسي، وخسروا في عامٍ ما بنوه في أكثر من نصف قرن. هذه حقيقةٌ مؤكّدةٌ، لكن اختفاءهم من الساحة ليس وارداً على الإطلاق، ويمكن أن يبقوا رقماً مؤثّراً بسبب عاملين: تصرفهم بحكمة، وتصرف أعدائهم بغباء.
لقد خرج الاخوان من تجربة مريرة، فإذا تصرّفوا بعنف وناطحوا الجدار، فربما ينتهون إلى مصير جبهة الانقاذ في الجزائر. وهو ما يتمنّاه لهم الكثيرون: أنظمة عربية وأجنبية وتيارات منافسة. وإذا انقادوا لردّ الفعل الغرائزي العنيف، سيسقطون في المصيدة القاتلة. وهو أمرٌ سيضعفهم كثيراً في المدى القريب، ولكن سيخدمهم في المدى المتوسط. فسياسات العسكر الانتقامية وملاحقة قياداتهم والزج بكوادرهم في السجون وتقديمهم للمحاكمات القراقوشية التافهة، سيحوّلهم إلى ضحايا وشهداء. الخيار الآخر هو الاستفادة من التجربة التركية، وهم قريبون منها من الناحية الفكرية والمواقف السياسية البراغماتية. فقد سبق أن أسقط الجيش التركي حكومة أربكان الاسلامية المنتخبة، فأعاد خلفاؤه تنظيم أنفسهم وعادوا إلى الحكم وبقوة أكبر. لقد خرج الاخوان من حكم مصر بطريقةٍ مهينةٍ جداً، لم تكن تخطر لهم على بال، وسيظل تأثيرها النفسي والمعنوي شديداً، عليهم وعلى امتداداتهم في الوطن العربي. وسيترك لديهم شعوراً عميقاً بالمظلومية، والتعرّض لـ «مؤامرة كونية» – إذا استخدمنا لغة الأسد- شاركت فيها دولٌ عربيةٌ وأجنبية، وتخلّى عنهم حتى السلفيون الذين اعتبروهم حليفاً استراتيجياً يمكن الرهان عليه عندما تشتد الأمور، فإذا بممثلهم يخون العهد، ويشارك «الانقلابيين» في جلسة «النكث بالبيعة» وإسقاط الرئيس «الشرعي» المنتخب.
في مسرحيته «مأساة الحلاج»، يصوّر صلاح عبدالصبور ساعة إعدام الحلاج، حين جاء الخليفة بصفوفٍ من العامّة ليشهدوا هذه اللحظة التاريخية، يقول: الأجهر صوتاً والأطول وضعوه في الصف الأول .. ذو الصوت الخافض والمتواني... صفوه في الصف الثاني. وحين جاء صاحبه الشبلي ورآه مصلوباً والجموع تصفّق في هياج، ما كان له إلا أن يذرف دمعة، ويرميه بوردةٍ كان يحملها. الاسلام السياسي الحركي، على أخطائه وسلبياته وحتى غروره، لن يختفي من الساحة، بسقوط هذه التجربة الاخوانية البائسة في حكم مصر... خصوصاً أن البدائل السياسية الأخرى لا تقل عنه تهوراً وسلبيةً وغروراً. الحكاية المصرية لم تنتهِ بعد، والربيع العربي مازال في بداياته، وعلى الشعوب العربية أن تتحلى بالصبر حتى يثمر الربيع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق