الثلاثاء، 20 أغسطس 2013

السرقة بوصفها ثقافة

قيل إن الكتاب "خير جليس للأنام". وقيل إنه أفضل صديق، وحظي الكتاب على مر العصور بالتقديس والاحترام والتقديرفكان بعضه رمزاً لعلاقة الإنسان بما يؤمن به من آلهة وأنبياء، وجعله البعض مقدّساً لا ينطق عن الهوى انما يوحى به الى نبي. ولطالما حملت الكتب تواريخ شعوب وشهدت محطات كبرى في مسيرات الحضارات ومصائرها وحروبها.
ولطالما احتضن الكتاب أفضل الفلسفات والنظريات العلمية والإبداعات الأدبية والفنية. وكم من كتب صنعت أحداثاً، فيما قامت كتب أخرى بتلويث العقول بأفكار ومغالطات واعتقادات خرافية وأسطورية وحملت بذور فتن وأحقاد تاريخية تجلت من جديد في الواقع عبر الصفحات الصفراء لتدمّر المجتمعات وتشعل الحروب وتعيد انتاج الموت بصور مختلفة.
وكم من كتب دفعت ثمن تخلّف أفكار ومعتقدات وشعوب فتعرضت للتمزيق أو للاحتراق بذريعة الزندقة أو الكفر أو نشر الانحرافات أو إفساد الأخلاق الخ. لعل محنة ابن رشد مع المتطرفين وتعرض مكتبته للحرق شبيه بما جرى لمكتبة بغداد على أيدي جنود هولاكو. لهو دليل على أهمية الكتاب كوسيلة معرفية راقية تغذي العقل وتخيف دعاة الظلام.
هذه الوسيلة لم تندثر رغم تطور التقنيات، بل تعززت مع ظهور الكمبيوتر والانترنت فظهر الكتاب الالكتروني وأصبحت الكتب في المُتناول بشكل سريع وأوسع يمكن الحصول عليه خلال دقائق عبر الانترنت وبطاقات الاعتماد. ناهيك بالمواقع التي تؤمن كل أشكال المعرفة مجاناً، مقابل مواقع أخرى تقدّم الكتب الدعوية والتبليغية الدينية والتبشيرية فتصادر العقل وتعزز سلطة المؤسسات التي تستمد قوتها من خرافة الوحي والميتافيزيقا. ويتميز القاريء عن غيره بأنه يتماهى مع ما يقرأه فينطق بما زرعه في راسه من معلومات وثقافة ويكتب حاصداً موسماً كاملاً من المعرفة. لكن المشكلة تكمن في من لا يحترم الكتاب فيبرر سرقتها. وما أكثر هؤلاء الذين يتحلون بثقافة واسعة لكنهم يعمدون الى سرقة الكتب بعد استعارتها من أصدقائهم ومعارفهم وربما من المكتبات العامة، مبررين فعلتهم بأن سرقة الكتاب حلال. قد ينسب هؤلاء أنفسهم الى شريحة المثقفين، وهم من أكثر المسيئين الى الثقافة والكتاب نفسه، إذ يقومون بالتباهي بما يمتلكونه من كتب في بيوتهم ومكاتبهم مع أن جلّها وصلت بطريقة غير مشروعة. يبهرك هؤلاء "المثقفون" بتدخلهم في كل شيء؛ من قضايا الفكر والسياسة والشعر والفن والفيزياء والعلوم والطب والهندسة، حتى تظن نفسك أمام أحد جهبذ لغة أو "نحرير من نحارير" الأدب (والنحرير في اللغة هي لقب دكتور بالأجنبية). ولا يقف الأمر عندد هذا الحد، بل لا بد من حشر أمورهم في قضايا التربية والتنظير حول كيفية ادارة شؤون الأسرة وكيفية بناء علاقة حميمة مع الشريك في الزواج والحب. هم لا يبخلون عليك بأي معلومة بما سمعوه أو قرأوه أو بما يوحون بأنهم قرأوه، حتى تكاد تُصاب بالغثيان المعرفي والاسهال الناتج عن زيادة جرعات ما تلقيت من معلومات.
وإذا أعرتهم كتاباً فينبغي عليك نسيانه. أما إن طلبت منهم كتاباً على سبيل الاستعارة فيتهرّبون ويرفضون مهما قدّمت لهم من ضمانات لارجاعها، وفي الوقت نفسه يتناسون ما استعاروه منك من كتب أو سرقوه وما عدت قادراً حتى على رؤيتها، مؤجلين دائما بالقول "غداً انشالله" .
هل هذا هو ما ينبغي على المثقف التحلي به من سلوكيات، وهل ينبغي على المُثقف أن يسرق ويكذب ليُقال عنه أنه يمتلك مكتبة كبيرة في منزله، ربما لم يقرأ 10 في المئة من صفحات كتبها؟
لا بد للمثقف ان يتعلم الأخلاق قبل ان يكون مثقفاً سارقاً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق