يواصل قادة حزب العدالة والتنمية التركي حملتهم المفتوحة على ثورة 30 يونيو ( حزيران ) التي أدت الى إطاحة سلطة الإخوان المسلمين في مصر .
ومن متابعة المواقف الرسمية لرئيس الحكومة رجب طيب أردوغان و وزير الخارجية أحمد أوغلو وغيرهما من قادة حزب العدالة والتنمية، يلحظ هستيريا خارج أي منطق ومألوف تجاه الوضع في بلد أجنبي، كما لو أن ما يجري في مصر يحدث في تركيا، وكما لو أن مصر إحدى محافظات تركيا خاضعة لمركز القرار في أنقرة .
لا يحتاج المرء الى تمارين ذهنية عميقة لكي يخلص إلى ازدواجية المعايير التركية في التعاطي مع الوضع في مصر عندما ينبذ أردوغان العنف في مصر وطريقة تعامل الشرطة المصرية مع معتصمي ميداني رابعة العدوية والنهضة . ذلك أن مبدأ استخدام القوة واحد في حالتي مصر وحالة انتفاضة ساحة تقسيم وحديقة غيزي في تركيا قبل شهرين ونصف الشهر . وإذا كان قتلى تقسيم بلغوا أربعة فقط مع جرحى بالآلاف ومعتقلين أيضاً بالآلاف، فإن أردوغان يمنع على غيره ما أجازه لنفسه في فضّ اعتصام ساحة تقسيم وحديقة غيزي . ثم إن لكل بلد ظروفه المختلفة . فأردوغان تعامل بفظاظة مع معتصمين كلهم من الفنانين والمثقفين، فيما اعتصامات رابعة العدوية والنهضة سياسية بامتياز، وتحمل تحدياً وتهديداً للأمن القومي المصري .
إن ردة الفعل الهستيرية لحكومة أردوغان وقادة العدالة والتنمية على عزل الإخوان المسلمين والتحريض المكشوف واليومي لمقاومة ما أسموه “انقلاباً عسكرياً” يخفي أسباباً متعددة منها:
- لقد كان الإخوان المسلمون ركيزة أساسية للمشروع التركي في العالم العربي وليس في منطقة الشرق الأوسط فقط . وأردوغان دعم بكل الوسائل فروع ونشاطات “الإخوان” حيثما وجدوا في مصر وتونس وليبيا واليمن والأردن والخليج العربي عموماً وسوريا وحركة حماس في غزة. وعندما بدأ الرئيس المعزول محمد مرسي يصدر الإعلانات الدستورية التي تستأثر بالسلطة ملغياً الآخرين في المجتمع والدولة لم ينبس الأتراك ببنت شفة ولم يروا فيها انتهاكاً للديمقراطية وإلغاء للآخر وعدم احترام لهواجسه . لذلك مع عزل الإخوان في مصر كان المشروع التركي يفقد أحد أهم ركائزه على الإطلاق أي الركيزة المصرية واستتباعاً ركيزته في فلسطين أي حركة حماس، ويضعف تلقائياً حضور الإخوان في تونس وسائر الدول التي يتواجدون فيها . من هنا انفلات غرائز أردوغان وجماعته في تركيا تجاه ما يجري في مصر الذي يلغي أي إمكان لعودة الإخوان إلى السلطة ويوجه للمشروع التركي ضربة قاضية .
- ان الانتقاد السافر لدور العسكر المصري في التطورات في مصر هو رسالة أردوغانية للداخل التركي، بحيث يشوّه صورة الجيش المصري ليبرر المزيد من إجراءات إضعاف الجيش التركي في الداخل وقطع الطريق أمام أية محاولة انقلابية في تركيا . وقد استغل أردوغان هذه الحملة ليمرر قبل أيام الأحكام المفرطة في قسوتها التي أصدرها القضاء التركي الذي يقع في قبضة حزب العدالة والتنمية تجاه العشرات من الجنرالات الأتراك بتهمة السعي لقلب نظام الحكم في تركيا .
- إن إظهار الجيش المصري كما لو أنه مجموعة من الانقلابيين الذين يقمعون ويقتلون المدنيين المعتصمين في ميداني رابعة العدوية والنهضة والتركيز على مشاهد الدم في الإعلام التابع لأردوغان إنما يهدف الى ترسيخ صورة “المظلومية” لأردوغان وجماعته واستدرار العطف الشعبي لتعويض نسبة التراجع التي شهدتها شعبية الحزب في تركيا بعد قمع انتفاضة تقسيم وحديقة غيزي . لكن الجميع يدرك أن إظهار أردوغان وجماعته أنفسهم في مظهر الضحية كان يمكن أن يمر قبل وصولهم إلى السلطة وليس بعدما انقلب أردوغان على كل القوى الديمقراطية التي ساعدته للتخلص من نفوذ العسكر ليؤسس لنظام حكم استبدادي في بلد ديمقراطي وذي نزعة دينية في بلد علماني .
إن أخطر ما في المواقف التركية الرسمية ضد ثورة 30 يونيو، أنها تشكل تدخلاً سافراً جداً في شأن داخلي لمصر . والتعامل مع جماعة الإخوان المسلمين كما لو أنهم شريحة تركية وليس مصرية في عودة مرفوضة لزمن السلطنة العثمانية التي كان أول المنتفضين عليها بشكل جدي والي مصر محمد علي باشا وابنه إبراهيم باشا في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ولولا حماية إنجلترا والدول الكبرى للسلطان لكان إبراهيم باشا أنهى بحملته العسكرية السلطنة بعدما كان وقف على مشارف الآستانة. وثورة 30 يونيو لن تسمح تحت أي ظرف بعودة العثمانيين الجدد لا إلى مصر ولا إلى المنطقة العربية.
مقالات للكاتب محمد نور الدين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق