الأربعاء، 14 أغسطس 2013

ماذا دهاكم أيها العرب؟

«تنبهوا واستفيقوا أيها العربُ، فقد طمى الخطب حتى غاصت الركبُ». قائل هذا البيت الشاعر إبراهيم اليازجي، وهو يعبّر عن واقع عرب اليوم في جاهليتهم الجديدة في القرن الواحد والعشرين... ورغم تخلفهم في جاهليتهم الأولى فقد قيض للعرب حينها بعض الحكماء مثل الشاعر المعروف زهير بن ابي سلمى الذي قال: «وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ». نعم شهد العرب في جاهليتهم الأولى حروبا عبثية كحرب داحس والغبراء لكن الحرب حينها كانت بالسيوف والرماح والسهام كما أن تجمعاتهم السكانية متناثرة ومتباعدة، ولذلك كانت الخسائر محدودة، لكن الأهم هو أنه قيض لهم حكماء يتدخلون في النهاية ليصلوا ما بين القبائل التجارية، وكانت هناك تقاليد مثل دفع الدية للقتلى أو الفدية للأسرى، وحتى التصاهر بين المتحاربين ليرتبطوا برباط المصاهرة بدلا من علاقات العداء.
بل إن العرب وهم في جاهليتهم الأولى تملكوا بعض الأعراف ومنها حرية مرور القوافل التجارية بأمان، وهكذا ازدهرت التجارة ما بين الشام واليمن عبر مكة المركز التجاري والديني، في دلالة ذات مغزى بربط الدين بالتجارة. لم تكن الصورة زاهية، بل كالحة في كثير من جوانبها، لكننا اليوم وفي القرن الواحد والعشرين حيث وصلت البشرية إلى درجة من الرقي، من مؤشراتها غزو الفضاء الخارجي وفك الشفرة الجينية والهندسة الوراثية، فإن العرب في جاهليتهم المعاصرة في حال أسوأ مما كانوا في جاهليتهم الأولى.
فبالرغم مما حباهم الله بالدين الإسلامي الحنيف وبهذا كرّمهم على سائر الأمم «كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر» (آل عمران: 110)، إلى جانب دين السماحة المسيحي، وبالرغم من الإنجازات الحضارية التي تمت في ظل الدول الإسلامية المتلاحقة، وأزهاها دولة الأندلس، ورغم ما كشفت عنه منجزات القرن العشرين من اكتشاف الثروة الباطنية الدفينة النفط والغاز عصب الاقتصاد العالمي، إلى جانب الموقع الستراتيجي والثروات الطبيعة والبشرية فإن العرب يتخبطون في صراعات عبثية توفر على الأعداء الصهاينة عبء محاربتهم. وقد صدق شاعر العرب الكبير نزار قباني عندما عنون قصيدته «متى يعلنون وفاة العرب؟». هل معقول ما يجري؟ أن تتآمر دول عربية ضد دول عربية أخرى لتفكيكها وتمزيقها؟! هل من المعقول أن تقام الأحلاف لا لتجميع القوى من أجل البناء والتطور وإسعاد الشعوب كحال الاتحاد الأوروبي، وإنما لإشعال الحروب وحصار الخصم العربي وتجويعه. نحن نفهم أن تنخرط أنظمة عربية في ظل الهيمنة الاستعمارية في أحلاف مثل حلف بغداد الذي ضم العراق والأردن وتركيا وإيران إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا، وكان همه محاربة المشروع القومي الذي كان يقوده الزعيم العربي جمال عبدالناصر وحركة التحرر العربية. ولكن كيف نفهم أن تقام أحلاف تحت اسم اتحادات مثل مجلس التعاون الخليجي، الذي كان أمل الشعوب الخليجية الخارجة لتوها من سيطرة استعمارية بريطانية مديدة، ليصبح همه ملاحقة المعارضة الوطنية، والنشطاء الحقوقيين، والتسابق بين دوله لتقديم التسهيلات العسكرية للغرب، والتقارب مع العدو الصهيوني، وأخيراً تأجيج الحرب الأهلية في سورية، والتسابق مع أميركا في العداء لإيران الجار المسلم، والتقرب للعدو الصهيوني.
أما الاتحاد العربي الذي ضم مصر والعراق والأردن واليمن، فكان اتحادا للمتناقضين الذين لا يجمع بينهم سوى الانتهازية، وهكذا انتهى غير مأسوف عليه دون أن يحقق إنجازا واحدا سوى إلغاء التأشيرات وهذه تم التراجع عنها ايضا. والثالث هو الاتحاد المغاربي، وكان يفترض أن يكون أساسا لوحدة المغرب الكبير والذي كان أمل رواد النضال المغاربيين في مؤتمرهم في وجده بالمغرب في 1954، كتجسيد لتلاحم المقاومين ضد الاستعمار الفرنسي. الاتحاد المغاربي بعد انطلاقة قصيرة يغرق في بحر الخلافات بين دوله، وها هي الحدود الجزائرية المغربية مغلقة طوال عقدين بسبب نزاع على صحراء مقفرة. جامعة الدول العربية، التي كان يؤمل منها عند تأسيسها في 1945 أن تكون أساسا لاتحاد فيدرالي عربي، ان لم تكن دوله موحدة، تحولت إلى ما يشبه الخرقة التي تخوف بها الطيور في المزارع. وهي أعجز من أن تحل أي خلاف عربي – عربي مهما كان بسيطا، بل انها أضحت أداة لتدويل القضايا العربية، كمشكلة العراق – الكويت سابقا وسورية حاليا. لقد استوى على عروش الحكم في بلدان العرب المنكوبة سواء أكانت ملكية أو جمهورية حكام لم يعودوا يحسون بآمال وآلام شعوبهم، وهمهم ديمومة الحكم من المهد إلى اللحد، ومعظمهم قضى في الحكم عتيا. والأخطر وجود نخب سياسية وثقافية تروّج للنزعات الإقليمية الضيقة والبغضاء بين العرب، والتنظير لأنظمة حكم عفى عليها الزمن، ومن ذلك التنظير لولي الأمر الحاكم المطلق ونفي مقولة ولاية الأمة على نفسها، وأننا شعوب لا تصلح لها الديمقراطية بل المستبد العادل. وهل رأيتم مستبدا عادلا؟! هل قدرنا أن نظل في احتراب، نجتر الماضي، ونغرق في تفاهاتنا؟ لا، ليس هذا قدرنا فقد بنينا حضارة رائعة أسهم فيها العرب والشعوب الأخرى في تآخٍ ومحبة. ولكن ما العمل؟ ذلك يحتاج لمقال آخر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق