الأحد، 18 أغسطس 2013

مصر وسطوة السياسة الأمريكية

تناول عدد من المحللين السياسيين باهتمام بالغ بحثاً كان أعده وزير الدفاع المصري عبد الفتاح السيسي أثناء دراسته في كلية الحرب في الولايات المتحدة عام ،2006 ونشرته صحيفة الخليج يوم الثلاثاء الموافق 13 أغسطس/آب . وأبرز ما جاء في هذا البحث انتقاد السيسي لسياسة أمريكا في عقر دارها، واعتبر الدعوة للديمقراطية خطوة من جانب الولايات المتحدة بهدف تحقيق مزيد من المصالح الاستراتيجية لها، كما أن هناك قلقاً من أن الحرب على الإرهاب هي في الحقيقة مجرد قناع لإقامة الديمقراطية على النمط الغربي في الشرق الأوسط وبما يحقق المصالح الغربية . وقد تحققت نظرة السيسي هذه من خلال إعلان وزارة الدفاع الأمريكية الشهر الماضي أن الرئيس باراك أوباما قرر وقف تسليم طائرات “إف 16” لمصر لفترة غير محددة بسبب “الوضع الراهن هناك”. وكانت واشنطن قد سلمت مصر ثماني طائرات من أصل عشرين طائرة اشترتها بقيمة 2 .5 مليار دولار . وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، إن إدارة أوباما تدرس التبعات القانونية لأي مساعدة لمصر، بالنظر إلى التحقيق القانوني الجاري عما إذا كان عزل مرسي “انقلاباً عسكرياً” وأنه في هذه الحالة ستضطر واشنطن إلى وقف مساعداتها المالية والاقتصادية عنها . ومن دون شك فإن التطورات الأخيرة التي حدثت فيها والتي تمثلت في إسقاط حكم الإخوان من قبل الجيش الذي استجاب للشعب أدخلت متخذ القرار الأمريكي في حالة من عدم الرؤية، فلم يكن يتوقع أحد أن تتطور الأمور على هذه الشاكلة وأن يستجيب الجيش للإرادة الشعبية في اللحظة المناسبة ويعيد خلط الأوراق في المشهد المصري . لقد رتبت الولايات المتحدة استراتيجيتها على التعاون مع حكم طويل للإخوان في مصر، حيث إنها رأت في هؤلاء خير حليف لها في زمن تراجعت فيه سطوتها وجبروتها على العالم، فالإخوان هم النموذج الذي كانت تصبو السياسات الأمريكية لتعميمه في المنطقة العربية بهدف ضرب المجتمعات العربية ببعضها من خلال صراع ديني يدوم إلى يوم القيامة، وبهذا ترتاح هي وترتاح حليفتها “إسرائيل” . لكن كانت المفاجأة ثقيلة ومدمرة لهذه السياسات، فإقصاء الإخوان عن الحكم هو إلغاء لكل مشروعهم في المنطقة، لأن هذا المشروع لن يقوى على البقاء بعد القضاء على الرأس، وبالتالي فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها من جديد أمام مشهد غامض لا يمكن التحكم فيه ولا معرفة خارطة التوازنات القادمة، فمصر تعيش ثورة حقيقية والشعب الذي أسقط مرسي لا يريد العودة إلى حقبة التبعية والخنوع، فقد جمعت حركة “تمرد” ملايين التواقيع من الشعب من أجل تقديمها للحكومة الجديدة كي ترفض قبول المعونة الاقتصادية الأمريكية . فهذه المعونة التي كانت بمثابة الحبل السري الذي عاش عليه نظام مبارك السابق سنوات طويلة، لم تعد مقبولة بعد أن استلمت قوى الشعب زمام المبادرة . إن مصر الجديدة تريد العودة إلى ما كانت عليه في الستينات عندما كانت تمثل محور السياسات في المنطقة وفي قارتي إفريقيا وآسيا، وتراجع الدور المصري كان بسبب القبول بالغطاء الأمريكي، لكن من جانب آخر، لايمكن إغفال ما قدمته الولايات المتحدة لمصر وخصوصاً على مستوى تجديد البنية التحتية فيها، لكن كل ذلك كان بثمن غال دفعته مصر على شكل خسارات استراتيجية لا يمكن تعويضها، فقد تم تقسيم السودان إلى دولتين، وتم حرمان مصر من مصادر المياه عبر إقامة سدود كثيرة على منابع النيل في إثيوبيا وغيرها من الدول الأخرى، وقد تراجع الإنتاج الصناعي المصري إلى مستوى ضعيف جداً وتراجع الإنتاج الزراعي إلى مستوى مخيف وخصوصاً زراعة المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح، وكل ذلك بسبب الاعتماد على الدور الأمريكي وعلى المساعدات الأمريكية .
إن انبعاث مصر هو أمر خطير جداً على استراتيجيات القوى الغربية في المنطقة وهو أمر لن تقبل به هذه القوى التي ستندفع لمساعدة الإخوان للعودة إلى الحكم أو إدخالها في نفق الفوضى، وقد أبدى الإخوان استعدادهم للمجازفة بمصر حتى النهاية، فأعلنوا أن ما حدث هو انقلاب على الشرعية وانقلاب على “الإسلام الصحيح” وقال مرشدهم الدكتور محمد بديع، إن عزل الرئيس محمد مرسي يفوق هدم الكعبة، وطبعاً ما من مشكلة عند الإخوان إذا استهانوا بالكعبة المشرفة التي هي موضع تقديس أكثر من مليار مسلم، فالسلطة عندهم مقدمة على الدين . وقرروا البدء بالمواجهة العسكرية مع الجيش واستنفروا كوادرهم لمعركة الفصل وخصوصاً في سيناء التي يريدون لها أن تكون رأس جسر للانقضاض على مصر . وقطعاً فإن الإخوان سيستمرون في إثارة الشغب وفي الاعتداء على الجيش والناس الآمنين ما سيدفع بالجيش للرد عليهم بقسوة وعند ذلك سيدعون أن الجيش يمارس عمليات قتل منظم ضد شعبه ما سيمنح القوى الغربية الفرصة للتدخل العسكري المباشر في مصر بحجة حماية المدنيين كما حدث في ليبيا .إن مصر اليوم في خطر حقيقي لأن القوى الغربية قررت إسقاط ثورتها والعودة بها إلى حكم الإخوان أو إلى حكم مشابه لكن بشرط الخضوع لها . وإذا استطاعت قوى الظلام الانقضاض على الثورة وإجهاضها فلن تقوم لمصر قائمة من بعدها، فعلى الشعب المصري أن يثبت وأن يتأكد أنه بالصبر وحده يستطيع تحقيق المعجزات، فلن يتركه الغربيون من دون منغصات وعراقيل سيضعونها عما قريب أمام مسيرته، ويبقى الجيش المصري هو خط الدفاع الأول عن مكتسبات الثورة، وهذا الجيش الذي فاجأ العالم بموقفه الجريء عندما اسهم في اسقاط حكم الإخوان، سيفاجئهم أكثر عندما يستأصل شأفة الإرهاب من أرض مصر وعندما يعيد لهذه الدولة العربية دورها الرائد الذي تستحقه بوصفها قوة إقليمية كبرى ومؤثرة .ٍ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق